السيد نعمة الله الجزائري
52
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
وهي تحرق الفؤاد ، ولذلك قال بعض أهل العرفان : ففي فؤاد المحب نار هوى * أحر نار الجحيم أبردها وله نظير في عالم الشهود ، فقد رأينا من غلب عليه الوجد يعدو على الشوك ولا يبالي ، ويقطع لحم نفسه بالسكاكين ولا يحس بالألم ، والغضبان في الحرب ربما جرح ولم يحس ، لأن هذه الأمور مهيجة لنار القلب التي هي أشد من نار الأبدان الظاهرة ، وذلك لأن ألمك من السيف من حيث أنه يفرق بين جزئين متلائمين ، والتفرق بين القلب ومحبوبه أشد من كل تفرق ، والجاهل لا يدرك هذا الألم ، فإن الصبي لو خيّر بين ألم الحرمان من الصولجان وبين الحرمان من رتبة السلطان لم يحس بالثاني ولم يعده ألما ، وكذا عبد البطن لو خير بين الهريسة وبين مصاحبة يوسف الصديق لاختار الهريسة ، وذلك لأنه قد استرقته صفات البهائم والسباع ، ولم تظهر فيه الصفات الملكية التي لا يستلذ إلا من القرب ، ولا تتألم إلا من البعد ، وذلك لعقد القلب كما قال سبحانه : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ، فجعل من لم يتذكر بالآيات خاليا من القلب ، وليس المراد به اللحم المحيط به الصدر ، بل المراد به السر الذي هو من عالم الأمر ، وهذا اللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه ، والصدر كرسيه ، وسائر الأعضاء جنوده وعالمه ، وللّه الخلق والأمر جميعا ، ولكن ذلك السر الذي قال اللّه تعالى فيه : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي هو الملك والأمير ، لأن بين عالم الأمر وعالم الخلق ترتيبا وعالم الأمر أمير على عالم الخلق ، وهي اللطيفة التي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، من عرفها فقد عرف نفسه ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ، وعند ذلك يعرف حقيقة قوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم إن اللّه خلق آدم على صورته ، إن لم يكن لنزوله شأن . الرتبة الثانية : رتبة المعذبين ، وهي رتبة من تحلى بأصل الإيمان وقصر في الوفاء بمقتضاه ، فإن رأس الإيمان هو التوحيد ، وهو أن لا يعبد إلا اللّه ، ومن اتبع هواه فقد عبد غير اللّه ، وقد قال سبحانه : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، قال ابن عباس : نهاك ربك أن تتخذ إلهين فاتخذت آلهة ، عبدت نفسك وهواك ودنياك ومرادك والخلق فأنى تكون موحدا ، وقال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا * ، ولما كان صراط التوحيد أدق من الشعر وأحدّ من السيف مثل صراط الآخرة ، فلا ينفك عن ميل عن الاستقامة وعن اتباع هواه ، هو قادح في التوحيد بقدر ذلك الميل ، وهو يقتضي نقصانا في درجة القرب ، ومع كل نقصان نار الفراق لذلك الكمال الفائت